صديق الحسيني القنوجي البخاري

287

فتح البيان في مقاصد القرآن

فليفتح العلماء لهذه الآية مسامعهم ويفرجوا لها عن قلوبهم ، فإنها قد جاءت بما فيه البيان الشافي لهم بأن كفهم عن المعاصي مع ترك إنكارهم على أهلها لا يسمن ولا يغني من جوع ، بل هم أشدّ حالا وأعظم وبالا من العصاة ، فرحم اللّه عالما قام بما أوجبه اللّه عليه من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فهو أعظم ما افترضه اللّه عليه ، وأوجب ما وجب عليه النهوض به . اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر الذين لا يخافون فيك لومة لائم وأعنّا على ذلك وقوّنا عليه ، ويسره لنا وانصرنا على من تعدى حدودك وظلم عبادك إنه لا ناصر لنا سواك ولا مستعان غيرك يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين ، وقد وردت أحاديث كثيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا حاجة لنا في بسطها هنا . ففي الآية أيضا ذم لعلماء المسلمين على توانيهم في النهي عن المنكرات ، ولذلك قال ابن عباس : ما في القرآن آية أشد توبيخا من هذه الآية ، وقال الضحاك : ما في القرآن آية أخوف عندي منها ، وفيه دلالة على أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه لأن اللّه تعالى ذم الفريقين في هذه الآية . [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 64 ] وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ( 64 ) وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ أي مقبوضة عن إدرار الرزق علينا ، كنوا به عن البخل ، تعالى اللّه عن ذلك ، واليد عند العرب تطلق على الجارحة ومنه قوله تعالى : وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً [ ص : 44 ] وعلى النّعمة يقولون : كم يد لي عند فلان ، وعلى القدرة ومنه قوله تعالى : قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ [ آل عمران : 73 ] وعلى التأييد ومنه قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم : « يد اللّه مع القاضي حين يقضي » « 1 » وعلى الملك يقال هذه الضيعة في يد فلان أي في ملكه ، ومنه قوله تعالى : الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ [ البقرة : 237 ] أي يملك ذلك . أما الجارحة فمنتفية في صفته عزّ وجلّ ، وأما سائر المعاني التي فسرت اليد بها عند جمهور المتكلمين وأهل التأويل ففيه إشكال لأنها إذا فسرت بمعنى القدرة فقدرته واحدة ، والقرآن ناطق بإثبات اليدين ، وأجيب عنه بأن هذه الآية على طريق التمثيل

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في الأحكام باب 4 ، وابن ماجة في الأحكام باب 2 ، وأحمد في المسند 5 / 26 ، 414 .